تشاد: هل هناك من مبررات لظاهرة التسول ؟؟

صورة توضيحية

صورة توضيحية

… كان ذالك عام 2011م عندما كنت في تشاد ، شاء القدر بأن التقي بشاب متسول في الثلاثينات من عمره، كان قد قدم من احدى الدول المجاورة.. تجاذبنا معه اطراف الحديث فوجدته موهوبا ولا يعاني من أي إعاقة جسدية… مما دفعني إلى أن اسأله عن السبب الذي يجعله يرتدي هذه الملابس الرثة جاريا خلف الناس متسولا طول النهار، في حين أنه بامكانه عمل الكثير؟ لماذا لا يبحث عن عمل شريف؟ لماذا وألف لماذا…

قال لي وبكل صراحة بعد تفكير عميق:

_ نحن بالنسبة لنا التسول يعتبر عملا، فكما أنت تخرج الصباح تذهب الى العمل! فنحن أيضا نعمل… واستطرد قائلا: بدأت قصتنا من هناك حيث قريتي ، عندما ذهب احد التجار وجلبنا مجموعة من هناك إلى هنا، و وفر لنا المأوى والمأكل ودخل يومي يختلف من شخص لآخر ، او بالأحرى على حسب ما يجنيه الشخص من التسول، وهكذا نقضي يومنا متنقلين في الاسواق وأمام البنوك وفي دهاليز الادارات وعلى أرصفة الطرق لغرض جني الكثير!!

تجمد عقلي في حل هذا اللغر الذي كان بمثابة مفاجئة بالنسبة لي… ولكن أين تكمن المشكلة؟ وأي حلول يمكن ان تكون جديرة في وضع حد لهذه الظاهرة المجتمعية ؟

لعبة “الأنجكور”: من البراري التشادية إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط

لعبة الأنجكور

في احدى أيام الصيف الحار، قررنا أنا ومجموعة من الأصدقاء : شاء القدر بأن نكون من دول وثقافات مختلفة، بأن نخرج في رحلة ترفيهية على ضفاف شواطئ البحر الأبيض المتوسط، لنرفه عن أنفسنا قليلا ونتناسى مشاكل الحياة الروتينية، امضينا النهار كله ونحن نلعب في البحر، مرحنا كثيرا حتى أخذ مننا الإرهاق والملل ما أخذ، وشعرنا بحاجة الى لعبة بديلة لنمضي بها ما تبقت  لنا من السويعات قبل الدخول الى المدينة والعودة إلى روتين الحياة، اقترحت لأصدقائي بأن نلعب لعبة تشادية تدعى “الأنجكور” ؛ فرح أصدقائي كثيرا بهذه اللعبة التي اعتبروها اكتشافا جديدا، وفرحت أنا الآخر وشعرت بالفخر لكوني استطعت أن اصل ب “الأنجكور” من البراري التشادية إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط…

صديقي حاشي الصومالي و خالد الأردني، تعجبا كثيرا من غرابة هذه اللعبة التي يعقل فيها الشخص رجله كالجمل، ويقفز من حين لآخر مبارزا خصمه الذي يقف أمامه ويبادله نفس الشعور، أقسما بكل الكتب المقدسة، وأجزما بأن هذه اللعبة لو رآها العالم لأدخلت في موسوعة غينس من حيث غرابتها. صديقتي السودانية أسماء التي شاهدتنا عندما كنا نلعب، كانت تتابع حديثنا عن كثب، ابتسمت هي الأخرى مستغربة ومعجبة بهذه اللعبة، وتسائلت فيما إذا كان بامكان الشابات أيضا أداء هذه اللعبة؟

ليست هناك قواعد كثيرة لمن يريد لعب الأنجكور، وليست اللعبة صعبة كما تبدو، كل ما في الأمر هو أن نقوم بتكوين فريقين، حيث لا يزيد عدد كل فريق عن عشرة أشخاص، ويقف الفريق الأول بجهة موازيا الفريق الآخر، ثم تبدأ بينهما المبارزة…

هناك طريقتين للمبارزة، الطريقة الأولى : أن يقف الفريقين وجها لوجه وتبدأ المبارزة في كل مرة بين لاعبين يمثل كل منهما فريقه، والشخص الذي هزم يتنحى جانبا و يتم استبداله بشخص آخر من أعضاء الفريق، بينما اللاعب المنتصر له حرية مواصلة اللعب او ترك مكانه لزميل له من نفس الفريق، أما الطريقة الثانية فهي العشوائية حيث كل أعضاء الفريق تهاجم الفريق الثاني ويستمر المبارزة إلى أن ينتصر فريق على فريق.

محاولة المبارز لفك العقدة

ما يجعل اللعبة مشوقة ويزيد من متعتها هو أن كل خصم يعقل رجله ويمسك قدميه بيده بأقصى ما لديه من قوة ويستخدم كل حيله وذكائه وحنكته لمراوغة خصمه والنيل منه، الهدف هو أن يبذل كل مبارز أقصى ما لديه كي يفك العقدة التي شكلها نظيره، اللعبة كانت تعبر عن القوة وعن مدى ذكاء وسرعة الشخص في التصرف واستخدام الحيل والمراوغات للنيل من خصمه….نعم إنها لعبة الأنجكور أو كما تعرف ب “الهوكو” في بعض المناطق الشرقية لتشاد..

ها أنتم أصبحتم تعرفون الآن شيء عن لعبة الأنجكور! ومن هنا أناشد حكومة جمهوريتي والجهات المختصة بالرياضة والثقافة بأن تهتم بمثل هكذا الألعاب التي بدأت تختفي يوما بعد يوم، وأن تقيم يوما خاصا أو مهرجانا او مسابقة رياضية لاظهار بعض الأهمية لمثل هذه الألعاب، والا سوف تكون الألعاب والثقافات مهددة بالاختفاء، ومصير الشباب مهدد بالخطر، ومستقبل التراث التشادي مجهول…